الجن و العفاريت في ألف ليلة وليلة
بقلم : إبراهيم كامل
الجن و الإنس
خلق الله تعالي الجن قبل الإنس.. وسكن الجن في الأرض فأفسدوا فيها وسفكوا الدماء والجن والإنس يقال لهم ناس " قل أعوذ برب الناس ملك الناس إله الناس من شر الوسواس الخناس الذي يوسوس في صدور الناس من الجنة والناس " سورة الفلق.. وما خلق الله الجن و الإنس إلا ليعبدوه.. وحين خلق الله آدم وأمر إبليس بالسجود له فاستكبر وأبي واحتال علي آدم وحواء فأخرجهما من الجنة.. بدأت معركة النار و الطين.. ويري الجن الإنس من حيث لا يرونهم.. ومن رحمة الله أن جعل لبني آدم حفظة وإلا لتخطفتهم الشياطين في وضح النهار.. وما دمت بدأت السياحة في ربوع ألف ليلة وليلة فلابد أن تلتقي بالجن والعفاريت والمردة وتتعرف علي صورهم المخيفة.. وبعض الجن له القدرة علي التشكل في أي صورة شاء بكلمات علمها الله لهم كما قال الإمام " ابن القيم ".. وأول جني من المردة نلتقي به في حكاية الملك شهريار وأخيه شاه زمان.. فهو قد اختطف فتاة في ليلة عرسها وضعها في صندوق من داخل صندوق ومع ذلك كانت تستغفله وتجامع أي أنسي تقابله وتأخذ خاتمه كتذكار للقاء المتعة الذي جري علي غفلة قرن ذلك العفريت. بعد ذلك نلتقي بالمارد الذي قتل التاجر ابنه بنواة تمرة ألقاها كيفما اتفق.. لكن هذا الجني المارد عاشق للحكايات العجيبة الغريبة فيصفح عن التاجر بعد أن حكي له ثلاثة شيوخ أرادوا مساعدة التاجر المسكين في محنته ثلاث حكايات عجيبة. ثم الجنية العاشقة في حكاية الإخوة الثلاثة التي عشقت واحداً من الإخوة فطلبت منه أن يتزوجها ويأخذه معه إلي بلاده وكانت في صورة امرأة فلم يحسبها الرجل جنية عفريتة ولأن الجن يرون الإنس من حيث لا يرونهم فهم يعشقون جمال صورتهم وجميل فعالهم. ثم نقابل المارد المحبوس في القمقم و صورته مخيفة : فهو " عفريت رأسه في السحاب ورجلاه في التراب برأس كالقبة وأيدي كالمداري ورجلان كالصواري وفم كالمغارة وأسنان كالحجارة ومناخير كالإبريق وعينان كالسراجين أشعث أغبر " وكلما تجولنا في دروب ألف ليلة وليلة سنلتقي بأشكال من الجن والعفاريت ينتصر عليها الإنسان بسعة حيلته وعقله ولذا يقول المثل الشعبي : " ما عفريت إلا ابن آدم "
وفي الليلة الثالثة
قالت لها أختها دنيا زاد : يا أختي أتمي لنا حديثك فقالت حباً وكرامة بلغني أيها الملك السعيد أن التاجر أقبل على الشيوخ وشكرهم وهنوه بالسلامة ورجع كل واحد إلى بلده وما هذه بأعجب من حكاية الصياد فقال لها الملك : وما حكاية الصياد مع العفريت ؟ قالت: بلغني أيها الملك السعيد أنه كان رجل صياد وكان طاعناً في السن وله زوجة وثلاثة أولاد وهو فقير الحال وكان من عادته أنه يرمي شبكته كل يوم أربع مرات لا غير ثم أنه خرج يوماً من الأيام في وقت الظهر إلى شاطئ البحر وحط مقطفه وطرح شبكته وصبر إلى أن استقرت في الماء ثم جمع خيطانها فوجدها ثقيلة فجذبها فلم يقدر على ذلك فذهب بالطرف إلى البر ودق وتداً وربطها فيه ثم تعرى وغطس في الماء حول الشبكة وما زال يعالج فيها حتى أطلعها ولبس ثيابه وأتى إلى الشبكة فوجد فيها حماراً ميتاً فلما رأى ذلك حزن وقال : لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم ثم قال أن هذا الرزق عجيب وأنشد يقول :
يا خائضاً في ظلام الليل والهـلـكة.......أقصر عنك فليس الرزق بالحركة
ثم أن الصياد لما رأى الحمار ميتاً خلصه من الشبكة وعصرها، فلما فرغ من عصرها نشرها وبعد ذلك نزل البحر، وقال بسم الله وطرحها فيه وصبر عليها حتى استقرت ثم جذبها فثقلت ورسخت أكثر من الأول فظن أنه سمك فربط الشبكة وتعرى ونزل وغطس، ثم عالج فيها إلى أن خلصها وأطلعها إلى البر فوجد فيها زيراً كبيراً، وهو ملآن برمل وطين فلما رأى ذلك تأسف وأنشد قول الشاعر:
يا حـرقة الـدهـر كــفـــي......... إن لـم تـكـفـي فـعـفـــي
فلا بحظي أعـــطـــي.................. ولا بصنعة كـــفـــي
خرجـت أطـلــب رزقـــي.......... وجـدت رزقـي تــوفـــي
كم جاهل في ظهور وعالم متخفي
ثم إنه رمى الزير وعصر شبكته ونظفها واستغفر الله وعاد إلى البحر لثالث مرة ورمى الشبكة وصبر عليها حتى استقرت وجذبها فوجد فيها شقافة وقوارير فأنشد قول الشاعر: هو الرزق لا حل لديك ولا ربط ولا قلم يجدي عليك ولا خـط ثم أنه رفع رأسه إلى السماء وقال اللهم أنك تعلم أني لم أرم شبكتي غير أربع مرات وقد رميت ثلاثاً، ثم أنه سمي الله ورمى الشبكة في البحر وصبر إلى أن استقرت وجذبها فلم يطق جذبها وإذا بها اشتبكت في الأرض فقال : لا حول ولا قوة إلا بالله فتعرى وغطس عليها وصار يعالج فيها إلى أن طلعت على البحر وفتحها فوجد فيها قمقماً من نحاس أصفر ملآن وفمه مختوم برصاص عليه طبع خاتم سيدنا سليمان. فلما رآه الصياد فرح وقال هذا أبيعه في سوق النحاس فإنه يساوي عشرة دنانير ذهباً ثم أنه حركه فوجده ثقيلاً فقال : لا بد أني أفتحه وأنظر ما فيه وأدخره في الخرج ثم أبيعه في سوق النحاس ثم أنه أخرج سكيناً، وعالج في الرصاص إلى أن فكه من القمقم وحطه على الأرض وهزه لينكت ما فيه فلم ينزل منه شيء ولكن خرج من ذلك القمقم دخان صعد إلى السماء ومشى على وجه الأرض فتعجب غاية العجب وبعد ذلك تكامل الدخان، واجتمع ثم انتفض فصار عفريتاً رأسه في السحاب ورجلاه في التراب برأس كالقبة وأيدي كالمداري ورجلين كالصواري، وفم كالمغارة، وأسنان كالحجارة، ومناخير كالإبريق، وعينين كالسراجين، أشعث أغبر. فلما رأى الصياد ذلك العفريت ارتعدت فرائصه وتشابكت أسنانه، ونشف ريقه وعمي عن طريقه فلما رآه العفريت قال لا إله إلا الله سليمان نبي الله، ثم قال العفريت : يا نبي الله لا تقتلني فإني لاعدت أخالف لك قولاً أوأعصى لك أمراً، فقال له الصياد : أيها المارد أتقول سليمان نبي الله، وسليمان مات من مدة ألف وثمانمائة سنة، ونحن في آخر الزمان فما قصتك، وما حديثك وما سبب دخولك إلى هذا القمقم. فلما سمع المارد كلام الصياد قال : لا إله إلا الله أبشر يا صياد، فقال الصياد: بماذا تبشرني ؟ فقال بقتلك في هذه الساعة أشر قتلة قال الصياد : تستحق على هذه البشارة يا قيم العفاريت زوال الستر عنك، يا بعيد لأي شيء تقتلني ؟ وأي شيء يوجب قتلي وقد خلصتك من القمقم ونجيتك من قرار البحر؟، وأطلعتك إلى البر فقال العفريت : تمن علي أي ميتة تموتها، وأي قتلة تقتلها فقال الصياد ما ذنبي حتى يكون هذا جزائي منك ؟!. فقال العفريت اسمع حكايتي يا صياد، قال الصياد : قل وأوجز في الكلام فإن روحي وصلت إلى قدمي. قال اعلم أني من الجن المارقين، وقد عصيت سليمان بن داود وأنا صخر الجني فأرسل لي وزيره آصف بن برخيا فأتى بي مكرهاً وقادني إليه وأنا ذليل على رغم أنفي وأوقفني بين يديه فلما رآني سليمان استعاذ مني وعرض علي الإيمان والدخول تحت طاعته فأبيت فطلب هذا القمقم وحبسني فيه وختم علي بالرصاص وطبعه بالاسم الأعظم، وأمر الجن فاحتملوني وألقوني في وسط البحر فأقمت مائة عام وقلت في قلبي كل من خلصني أغنيته إلى الأبد فمرت المائة عام ولم يخلصني أحد، ودخلت مائة أخرى فقلت كل من خلصني فتحت له كنوز الأرض، فلم يخلصني أحد فمرت علي مائة عام أخرى فقلت كل من خلصني أقضي له ثلاث حاجات فلم يخلصني أحد فغضبت غضباً شديداً وقلت في نفسي كل من خلصني في هذه الساعة قتلته ومنيته كيف يموت وها أنك قد خلصتني ومنيتك كيف تموت.
فلما سمع الصياد كلام العفريت قال : يا الله.. العجب أني ما جئت أخلصك إلا في هذه الأيام، ثم قال الصياد للعفريت، اعف عن قتلي يعفو الله عنك، ولا تهلكني، يسلط الله عليك، من يهلكك. فقال لا بد من قتلك، فتمن علي أي ميتة تموتها فلما تحقق ذلك منه الصياد راجع العفريت وقال اعف عني إكراماً لما أعتقتك، فقال العفريت: وأنا ما أقتلك إلا لأجل ما خلصتني، فقال الصياد: يا شيخ العفاريت هل أصنع معك مليح، فتقابلني بالقبيح ولكن لم يكذب المثل حيث قال : فعلنا جميلاً قابـلـونـا بـضـده وهذا لعمري من فعال الفواجـر ومن يفعل المعروف مع غير أهله يجازى كما جوزي مجير أم عامر. فلما سمع العفريت كلامه قال لا تطمع فلا بد من موتك، فقال الصياد هذا جني، وأنا إنسي وقد أعطاني الله عقلاً كاملاً وها أنا أدبر أمراً في هلاكه بحيلتي وعقلي وهو يدبر بمكره وخبثه، ثم قال للعفريت : هل صممت على قتلي قال نعم، فقال له بالاسم الأعظم المنقوش على خاتم سليمان أسألك عن شيء وتصدقني فيه، قال نعم، وكان العفريت لما سمع ذكر الاسم الأعظم اضطرب واهتز وقال: اسأل وأوجز، فقال له : كيف كنت في هذا القمقم، والقمقم لا يسع يدك ولا رجلك فكيف يسعك كلك ؟، فقال له العفريت : وهل أنت لا تصدق أنني كنت فيه فقال الصياد لا أصدق أبداً حتى أراك فيه بعيني، وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.
وفي الليلة الرابعة قالت شهرزاد: بلغني أيها الملك السعيد أن الصياد لما قال للعفريت لا أصدقك أبداً حتى أراك بعيني في القمقم فانتفض العفريت وصار دخاناً صاعداً إلى الجو، ثم اجتمع ودخل في القمقم قليلاً، حتى اكتمل الدخان داخل القمقم وإذا بالصياد يسرع بأخذ سدادة الرصاص المختومة وسد بها فم القمقم ونادى العفريت، وقال له : تمن علي أي ميتة تموتها لأرميك في هذا البحر وأبني لي هنا بيتاً وكل من أتى هنا أمنعه أن يصطاد وأقول له هنا عفريت وكل من أطلعه يبين له أنواع الموت يخيره بينها. فلما سمع العفريت كلام الصياد أراد الخروج فلم يقدر ورأى نفسه محبوساً ورأى عليه طابع خاتم سليمان وعلم أن الصياد سجنه سجن أحقر العفاريت وأقذرها وأصغرها، ثم أن الصياد ذهب بالقمقم إلى جهة البحر، فقال له العفريت لا، لا فقال الصياد : لا بد.. لا بد. فلطف المارد كلامه وخضع وقال ما تريد أن تصنع بي يا صياد، قال : ألقيك في البحر إن كنت أقمت فيه ألفاً وثمانمائة عام فأنا أجعلك تمكث فيه إلى أن تقوم الساعة، أما قلت لك أبقيني يبقيك الله ولا تقتلني يقتلك الله فأبيت قولي وما أردت إلا غدري فألقاك الله في يدي فغدرت بك، فقال العفريت افتح لي حتى أحسن إليك فقال له الصياد تكذب يا ملعون، إن مثلي ومثلك مثل وزيرالملك يونان والحكيم رويان، فقال العفريت: وما شأن وزير الملك يونان والحكيم رويان وما قصتهما ؟.






















أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية